منوعات تاريخية

الإمام الحسين(ع) وحده في ساحة القتال

رحلة سيد الشهداء(ع) من المدينة إلى كربلاء

 

 

الإمام الحسين(ع) وحده في ساحة القتال

 

عندما استشهد العبّاس التفت الحسين (ع) ، فلم يرَ أحداً ينصره ، ونظر إلى أهله وصحبه مجزّرين كالأضاحي ، وهو يسمع عويل الأيامى وصراخ الأطفال صاح بأعلى صوته : هل من ذابّ عن حرم رسول الله ؟ هل من موحّد يخاف الله فينا ؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟فارتفعت أصوات النّساء بالبكاء.

ونهض السّجاد (ع) يتوكّأ على عصا ويجرّ سيفه ؛ لأنّه مريض لا يستطيع الحركة . فصاح الحسين باُمّ كلثوم : احبسيه ؛ لئلاّ تخلو الأرض من نسل آل  محمّد  فأرجعته إلى فراشه .

ثمّ إنّه (ع) أمر عياله بالسّكوت وودّعهم ، والتحف ببردة رسول الله (ص) وتقلّد بسيفه ، وطلب ثوباً لا يرغب فيه أحد يضعه تحت ثيابه ؛ لئلاّ يجرّد منه فإنّه مقتول مسلوب.

ثم دعا بولده الرضيع يودّعه ، فأتته زينب بابنه عبد الله ابن الرباب فأجلسه في حجره يقبّله ويقول : بُعداً لهؤلاء القوم إذا كان جدّك المصطفى خصمهم .

ثمّ أتى به نحو القوم يطلب له الماء ، فرماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه ،  فتلقّى الحسين الدم بكفّه ، ورمى به نحو السّماء .
ثمّ قال الحسين(ع): هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله تعالى.
 وتقدّم الحسين (ع) نحو القوم مصلتاً سيفه ، آيساً من الحياة ، ودعا النّاس إلى البراز ، فلم يزل يقتل كلّ مَن برز إليه حتّى قَتل جمعاً كثيراً ثمّ حمل على الميمنة وهو يقول :
الموت أولى من ركوب العار    والعار أولى من دخول النّار
وحمل على الميسرة وهو يقول :
أنا الحـسين بـن علي    آلـيتُ أنْ لا أنـثـني
 أحمي عيالات أبي    أمضي على دين النّبي

قال عبد الله بن عمّار بن يغوث : ما رأيت مكثوراً قط ، قد قُتل ولده وأهل بيته وصحبه ، أربط جأشاً منه ولا أمضى جناناً ولا أجرأ مقدماً ، ولقد كان الرجال تنكشف بين يدَيه إذا شدّ فيها ولَم يثبت له أحد .

فصاح عمر بن سعد بالجمع : هذا ابن الأنزع البطين ، هذا ابن قتّال العرب ، احملوا عليه من كلّ جانب ، فصاح بهم : يا شيعة آل أبي سفيان ، إنْ لَم يكن لكم دين وكنتم ولا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم ، وارجعوا إلى أحسابكم إنْ كنتم عرباً ، كما تزعمون. فناداه شمر : ما تقول يابن فاطمة ؟ قال : أنا الذي اُقاتلكم ، والنّساء ليس عليهنّ جناح ، فامنعوا عتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمتُ حيّاً  .

فقال الشمر : لك ذلك .

وقصده القوم واشتد القتال وقد اشتدّ به العطش ، فحمل من نحو الفرات على عمرو بن الحَجّاج ، وكان في أربعة آلاف ، فكشفهم عن الماء ، ولمّا مدّ الحسين (ع) يده ليشرب ناداه رجل : أتلتذّ بالماء وقد هُتكت حرمك ؟! فرمى الماء ولَم يشرب ، ورجع إلى الخيام فعلم أنها كانت خديعة.

ثمّ إنّه ودّع عياله ثانياً ، وأمرهم بالصبر ولبس الأزر وقال : استعدّوا للبلاء ، واعلموا أنّ الله تعالى حاميكم وحافظكم ، وسينجيكم من شرّ الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذِّب عدوّكم بأنواع العذاب ، ويعوّضكم عن هذه البليّة بأنواع النّعم والكرامة ، فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم.

والتفت الحسين (ع) إلى ابنته سكينة ، فرآها تبكي  ، فوقف عليها مصبّراً .

فقال عمر بن سعد : ويحكم اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه ، والله إنْ فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم . فحملوا عليه يرمونه بالسّهام حتّى تخالفت السّهام بين أطناب المخيّم وشكّ سهم بعض اُزر النّساء ، فدهشنَ وارعبنَ وصحن ودخلن الخيمة ، ينظرن إلى الحسين (ع) كيف يصنع ، فحمل عليهم كالليث الغضبان فلا يلحق أحداً إلاّ بعجه بسيفه فقتله ، والسّهام تأخذه من كلّ ناحية وهو يتّقيها بصدره ونحره، ورجع إلى مركزه يُكثر من قول لا حول ولا قوة إلاّ بالله العظيم.

ورماه أبو الحتوف الجعفي بسهم في جبهته فنزعه وسالت الدماء على وجه فقال : اللهمّ إنّك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة ، اللهمّ أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً ، ولا تغفر لهم أبداً ، ثم قال: يا اُمّة السّوء ، بئسما خلفتم محمّداً في عترته ، أما إنّكم لا تقتلون رجلاً بعدي فتهابون قتله ، بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم إيّاي . وأيمَ الله ، إنّي لأَرجو أنْ يكرمني الله بالشهادة ، ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون.

ولمّا ضعف عن القتال ، وقف يستريح ، فرماه رجل بحجر على جبهته ، فسال الدم على وجهه ، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه ، رماه آخر بسهم محدّد له ثلاث شعب وقع على قلبه فقال: بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله  ورفع رأسه إلى السّماء وقال : إلهي إنّك تعلم أنّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبيّ غيري  .

ثمّ أخرج السّهم من قفاه وانبعث الدم كالميزاب ، فوضع يده تحت الجرح فلمّا امتلأت رمى به نحو السّماء وقال : هوّن عليَّ ما نزل بي ، أنّه بعين الله، ثمّ وضعها ثانياً فلمّا امتلأت ، لطخ به رأسه ووجهه ولحيته وقال : هكذا أكون حتّى ألقى الله وجدّي رسول الله (ص) وأنا مخضّب بدمي ، واقول : يا جدّي قتلني فلان وفلان  .

وأعياه نزف الدم فجلس على الأرض ينوء برقبته ، فانتهى إليه في هذا الحال مالك بن النّسر فشتمه ، ثمّ ضربه بالسّيف على رأسه ، وكان عليه برنس فامتلأ البرنس دما فقال الحسين(ع) لا أكلت بيمينك ولا شربت ، وحشرك الله مع الظالمين.

وأقبل الفرس يدور حوله ويلطّخ ناصيته بدمه صاح ابن سعد : دونكم الفرس ؛ فإنّه من جياد خيل رسول الله (ص) . فأحاطت به الخيل ، فجعل يرمح برجلَيه حتّى قتل أربعين رجلاً وعشرة أفراس . فقال ابن سعد : دعوه لننظر ما يصنع . فلمّا أمِن الطلب أقبل نحو الحسين (ع) يمرّغ ناصيته بدمه ويشمّه ويصهل صهيلاً عالياً فلمّا نظرن النّساء إلى الجواد مخزياً والسّرج عليه ملويّا خرجن من الخدور ناشرات الشعور ، على الخدود لاطمات وللوجوه سافرات ، وبالعويل داعيات ، وبعد العزّ مذللات ، وإلى مصرع الحسين (ع) مبادرات.

ونادت اُم كلثوم زينب العقيلة : وآ محمداه ! وآ أبتاه ! وآ علياه ! وآ جعفراه ! وآ حمزتاه ! هذا حسين بالعراء صريع بكربلاء مّ نادت : ليت السّماء اُطبقت على الأرض  وليت الجبال تدكدكت على السّهل وانتهت نحو الحسين وقد دنا منه عمر بن سعد في جماعة من أصحابه ، والحسين يجود بنفسه . فصاحت : أي عمر ، أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟! فصرف بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته فقالت : ويحكم أما فيكم مسلم ؟! فلَم يُجبها أحد ثمّ صاح ابن سعد بالنّاس : انزلوا إليه وأريحوه . فبدر إليه شمر فرفسه برجله ، وجلس على صدره وقبض على شيبته المقدّسة وضربه بالسّيف اثنتى عشرة ضربة واحتزّ رأسه المقدّس .

وأقبل القوم على سلبه ؛ فأخذ إسحاق بن حوية قميصه ، وأخذ الأخنس بن مرثد بن علقمة الحضرمي عمامته ، وأخذ الأسود بن خالد نعلَيه ، وأخذ سيفه جميع بن الخلق الأودي ، ويقال رجل من بني تميم اسمه الأسود بن حنظلة . وجاء بجدل فرأى الخاتم في إصبعه والدماء عليه فقطع اصبعه وأخذ الخاتم ، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته ، وكان يجلس عليها فسمّي قيس قطيفة.

ثم داسوا صدره الشريف بحوافر الخيول ختى طحنوا عظام صدره، وراحوا يتجاذبون رأسه الشريف، كلٌ يريد السبق لنيل جائزة الأمير.

وقد بقي جسده الشريف مطروحاً على رمضاء كربلاء ثلاثة أيام إلى أن أتى ولده الإمام زين العابدين(ع) ودفنه بمساعدة قوم من بني أسد.

لقد انتهت معركة كربلاء من بعد ظهر اليوم العاشر من المحرم، فتكالب القوم على خيم النساء فأحرقوها والأطفال في داخلها فراحوا يهربون من خيمة إلى خيمة، وزينب(ع) تنقذ هذه وتخلّص تلك وتحضن أخرى، ولقد عاشت النسوة حالة من الذعر والخوف رغم ما فيهن من الحزن على مقتل الأزواج والأخوة والآباء.

كل ذلك والعطش قد بلغ فيهن مبلغه، ولقد كانت ليلة الحادي عشر من المحرم أشد ليلة مأساوية على نساء الحسين وأطفاله.

ففي العاشر من المحرم بدأت معركة كربلاء وانتهت في نفس اليوم، ولكن تلك المعركة كانت بداية مرحلة جديدة للأمة حيث بدّلت مجرى التاريخ وقلبت الموازين رأساً على عقب.

أيها الأعزاء.. لو اكتفينا بالكلام الذي ذكرناه فقط لما كان وافياً حيث لا بد من متابعة أحداث الموكب الحسيني، والذي عُرف بموكب السبايا حتى تتم الفائدة المرجوة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى